الحل هو الحب

وصلت أمتنا الإسلامية إلى حالة متردية في أوضاعها ، وسلوكيات أبنائها، حتى صرنا في ذيل الأمم، وصارت أمتنا لا تذكر إلا في آخر كشف طويل حيث تكون أجناس كثيرة قد سبقتها تقدما ورقيا وثقافة وحضارة، وصرنا نتسائل بشغف : أما لهذا الليل من آخر ؟ ما الحل ؟.
وفي محاولة للإجابة عن هذا السؤال نقر: بأن الحل قريب جدا، ومع ذلك بعيد جدا، وليس ذلك لغزا أو أحجية، نعم إن الحل قريب وبعيد في آن واحد، قريب لأنه في متناول أيدينا، وبعيد طالما بقينا عازفين عنه نعطي له ظهورنا، وقد يسأل سائل: وما سبب بعدنا عنه، مع أمس الحاجة إليه لإصلاح حياتنا، وتعديل مسارنا ؟.
ونقول أن السبب في ذلك هو: جهلنا تحقيق هذا الحل، وتجاهلنا لأهميته، الحل يكمن في حرفين فقط الـ ( حب )، وقد يسأل أحدهم مستغربا ومتعجبا: أي حب تعني – هداك الله – ؟، وأبادر فأقول: للحب أسمى وأعظم مما يفهمه الغريزيون ؛ إذ يقصرونه – كما زين الشيطان لهم – على شهوات الحياة الدنيا من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة من الأنعام والحرث.
أما الحب الذي هو الحل فقد عرفه أولوا الأبصار بأنه: “قوة توطيد العلاقات بين المخلوقات”، والسؤال الأهم الآن: كيف نأتي بهذه القوة ؟.
إننا نستمدها من الخالق العظيم جل جلاله؛ وذلك بحبه سبحانه؛ فإذا أحببناه بصدق أحبنا الله فسهل علينا محبة غيره من المخلوقات، وهذا ما أخبرنا إياه الرسول صلى الله عليه وسلم عندما قال: ( إذا أحب الله عبدا نادى جبريل: إن الله يحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل وينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه ، فيحبه أهل السماء ، ثم يوضع له القبول في الأرض ) رواه البخاري.
وقد يسأل سائل: إذا كنا لا نملك قوة توطيد العلاقات مع المخلوقات فمن أين لنا بقوة توطيدها مع الخالق العظيم ؟، وبمعنى آخر : إذا كنا لا نستطيع أن نحب بعضنا البعض ، فكيف نحب الله سبحانه ؟.
والرد على هذا التساؤل بسيط جدا: إن توطيد العلاقة مع الخالق العظيم أسهل بكثير من توطيدها مع المخلوقات؛ ذلك أن العلاقة مع الخالق يحكمها التفضل وسعة الكرم من ناحيته سبحانه، بينما العلاقة مع المخلوقين تحكمها المنفعة والمصلحة المتبادلة، وشتان بين تفضل الخالق المنعم الكريم، وتفضل المخلوق الهلوع المنوع الجزوع، الفخالق العظيم يعطي ولا يأخذ، لا يريد فقط إلا الاعتراف بنعمه، وشكره عليها، حتى هذا الاعتراف والشكر يؤجرك الله عليه، ويعد بالزيادة من النعم عليه قال تعالى: ( لئن شكرتم لأزيدنكم )، وحين اشترى الله من المؤمنين أنفسهم وأموالهم، إنما اشترى أشياء يملكها في الأصل، أليس هو خالق الأنفس وممولها ؟، وإنما اشتراها بعد أن أدت واجب الشكر لكي يزيدها من فضله فيعطيها بدلا مما هو أفنى ما هو أبقى وأخلد أليس هو القائل: ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ).
ولا وجه للمقارنة بين حبنا للخالق وحبنا للمخلوقين؛ لأن المخلوق قد يطمع في المحب فيستغله، أو يمنع عنه فيضله، أو يتحكم فيه فيذله، ونادرا ما يقابله حبا بحب، وحتى لو قابله حبا بحب فإما أن يعامله بالمثل، أو بأقل منه، أما محبة الخالق جل جلاله فهي غير ذلك بيقين؛ فإنه يحيط من يحبه بحب أعظم وأنبل ( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ).
ألا ترى أن حب الخالق أيسر وأسهل وأنفع من حب المخلوقين، بل إنها طريق إلى محبة المخلوقات ؟ !، شرط: أن نطلب ذلك بصدق، ونصرّ عليه بوعي وإخلاص.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *