الرئيسية / الاسلام / القرآن الكريم / لم يكن القرآن بلغة قريش فحسب .. الالفاظ القرآنية للقبائل العربية

لم يكن القرآن بلغة قريش فحسب .. الالفاظ القرآنية للقبائل العربية

لم يكن القرآن بلغة قريش فحسب
للكاتب:الاستاذ الراجحي التهامي الهاشمي من مجلة دعوة الحق (المغرب)

اطلعت صدفة أثناء قراءتي لمجلة الأديب البيروتية لشهر أكتوبر الماضي في ركن بريد الأديب على مراسلة الأستاذ عبد الخالق عبد الرحمن في تعقيبه على مقال الأستاذ حسن الكرمي الذي نشر في عدد يوليو 1964 من نفس المجلة.
أشار الأستاذ حسن الكرمي في مقاله الموما إليه إشارة خفيفة إلى لغة القرآن حيث قال: ( وعلى هذا جاء القرآن الكريم بلغة قريش التي أجمع عليها العرب وجاء قرآنا عربيا مبينا ولم يأت غريبا ولا في لهجة من اللهجات ).
ودفعت هذه الإشارة الخفيفة بالأستاذ عبد الخالق عبد الرحمن إلى مراسلة المجلة المذكورة رادا على زميله الكرمي بقوله: ( والحقيقة والواقع يثبتان خلاف ذلك فالقرآن لم يكن بلغة قريش فحسب بل فيه من غيرها فقد ورد بلغة هذيل وكنانة وطيء وجرهم ومذحج وقيس عيلان وغيرها ).
وأنا لا أدري هل الأستاذ الكرمي يريد أن يقول أنه لا يوجد في القرآن ألفاظ من اللهجات الأخرى غير لهجة قريش أم أنه يقصد فقط أن القرآن عربي مبين نزل في معظمه بلغة قريش، ووجود ألفاظ من اللهجات الأخرى لا يؤثر مطلقا في بيانه الناصع ولا في قرشيته، لأن عبارة الأستاذ الكرمي مختصرة أشد الاختصار، لم تهيئها عبارات سابقة كما لم توضحها عبارات لاحقة. فالحكم على اعتقاد الأستاذ الكرمي فيما يخض لغة القرآن حكم سابق للأوان.
غير أن الأستاذ عبد الخالق عبد الرحمن رد عليه بما سمعتم. وأحال قراء مجلة الأديب على كتاب له فصل فيه ذلك، وعنوانه «فضل القرآن على العربية» ولا شك أنه كتاب مفيد سيسد إن شاء الله هذا النقص الذي نعانيه في مثل هذه الدراسات.
إلا أن الكتاب لم توضع له مقدمة بعد، كما يخبرنا بذلك مؤلفه، ولا زال لم يسلم للمطبعة حتى الآن، وقد يطول انتظارنا له، فمن يدري؟ ولهذا أحببت – في انتظار ظهور هذا الكتاب أن أطلع إخواني القراء في المغرب- ولو بشكل مختصر جدا- على اللهجات التي وردت في القرآن الكريم من غير لغة قريش. وأنا لا أدعي أنني أرد بهذا على الأستاذ الكرمي- فما أحوجني إلى علمه- إذ لا أعرف بالضبط هل يعتقد ما نسب إليه صديقه الأستاذ عبد الخالق. كما أنني لا أدعي أنني سأغني القارئ الكريم عن قراءة كتاب «فضل القرآن على اللغة العربية» الذي أتمنى أن يصلنا قريبا. ولكني أمل أن يعرف قراؤنا أن في العزيز لهجات كثيرة وانه لم يقتصر على لغة قريش وحدها.
وأنا لا أدخل في هذا العرض البسيط إلى التفاصيل والخلافات والابتكارات التي وصل إليها بعض الباحثين المعاصرين في هذا الباب، وإنما اقتصر هنا على ذكر ما اتفق عليه المفسرون القدماء.
ولقد عددت أثناء تلاوتي للقرآن الكريم، معتمدا في ذلك على شرح العلامة الورع الزمخشري المسمى بالكشاف وعلى ما ورد في ذيل تفسير القرآن للإمامين محمد بن أحمد المحلي وأبي بكر السيوطي من لغات قبائل العرب لأبي قاسم بن سلام، أقول عددت 45 لهجة. وقد أكون نسيت أخرى، ولعل بعض الفضلاء يدركون ذلك بعدي ويطلعوننا عليه مشكورين.
واعتقد أن من المفيد جدا أن ارتب لك هذه القبائل حسب أهمية عدد مفرداتها الواردة في كتاب الله العزيز.

قبيلة هذيل
وأول قبيلة حظيت بقسط وافر من المفردات في القرآن هي هذيل، وقد أحصيت لها 46 لفظة يقول المهتمون بهذه الدراسات إنها من لهجة هذيل، وزعت في القرآن على الشكل الآتي:
1. «بئسما اشتروا»: معناها باعوا بلغة هذيل وتوجد في سورة البقرة الآية 90.
2. «لاعنتكم» الموجودة في سورة البقرة الآية 200 ومعناها الإثم.
ويخيل إلي أن أول من شرح هذا اللفظة بهذا المعنى هو المنذري، روى عنه هذا أبو الهيتم. حين قال:
«ألعنت في كلام العرب الجور ثم فقلت له التعنت من هذا؟ قال نعم»
واعتقد أن هذا المعنى يوافق ما جاء في حديث الرسول عليه الصلاة والسلام: « الباغون البراء ألعنت» ومعلوم أن جميع الكلمات المشتقة من العنت هي كذلك من لهجة هذه القبيلة التي نتحدث عنها، هكذا يوجد بآل عمران « وما عنتم» الآية 118، أما بالنساء فنقرأ بالآية 25 «وألعنت منكم» وبالتوبة «وما عنتم» ونتلو بالحجرات «ولعنتم» وكلها بالمعنى الذي ذكرنا.
3. «عزموا الطلاق» ومعناه حققوه- سورة البقرة الآية 217.
4. لفظة «صلوا» الكائنة في سورة البقرة الآية 264 ومعناها نقيا
5. قوله «إناء» الليل- سورة آل عمران الآية 113 ومعناها ساعات.
6. كلمة « فورهم» بسورة آل عمران الآية 125، ومعناها حالا، وعكسها التراخي كما قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله” «الأمر على الفور لا على التراخي» ويرى الزمخشري «1» أنها مشتقة من «فارت القدر، إذا غلت».
ويرى فقهاء اللغة أن هذه المفردة هي أيضا لهجة قيس عيلان وكنانة.
7. مراغما. سورة النساء الآية 100 ومعناها مهاجرا، وطريقا يراغم بسلوكه قومه ولا شك أن كل مشتقاتها من لهجة هذيل. ك « على رغم أنوفهم» والرغم الذي بمعنى الذل.
وراغمت الرجل إذا فارقته وهو يكره هذا الفراق.
ويرى الزمخشري«2»: « وأصله لصوق الأنف بالرغام وهو التراب».
8. قوله عز وجل: « وجعلكم ملوكا» سورة المائدة الآية 20. نلاحظ هنا أن المفسرين اختلفوا في معناها. أما الإمامان محمد ابن احمد المحلي وأبو بكر السيوطي فيريان أنها بمعنى أحرار. أما الزمخشري فبعد أن يأتي في شرح الكلمة يقول: « ملكهم بعد فرعون ملكه» ثم يذكر ما ذهب إليه الشراح في هذا الصدد فيقول «3» وقيل كانوا مملوكين في أيدي القبط فأنقذهم الله، فسمى إنقاذهم ملكا، وقيل: الملك من له مسكن واسع فيه ماء جار. وقيل من له بيت وخدم وقيل من له مال لا يحتاج معه إلى تكلف الأعمال وتحمل المشاق.
9. قوله عز وجل: « وما مسني السوء» سورة الأعراف الآية 188 ومعناها الجنون.
ولقد جاءت بنفس هذا المعنى في سورة هود «بعض ألهتنا بسوء».
10. لفظة «فرقانا» الموجودة في سورة الأنفال الآية 29 «يا أيها الذين أمنوا أن تتقوا
الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم.
11. قوله: « خرض» في الآية 64 من سورة الانفال، وقد جاءت في هذه اللغة بمعنى حض.
12. «وليجة» في سورة الأنفال الآية 16 ومعناها بطانة وأولياء.
13. «عيلة» سورة التوبة الآية 28 ومعناها الفاقة ونطق بها بعض القراء بالهمز بمعنى المصدر كالعافية.
14. أنفروا « الكائنة في سورة التوبة» الآية 38 وجميع الكلمات التي تشتق منها كـ « ألا تنفروا» في نفس السورة الآية 39.
15. « السائحون» التي بمعنى الصائمون الموجودة في سورة التوبة الآية 112.
16. «غمة» في سورة يونس الآية 71 ومعناها في هذه اللهجة التي نتحدث عنها شبهة.
17. قوله جلت قدرته في سورة يونس الآية 92 التي يقول فيها لفرعون اللعين، يوم غرقه في البحر: « فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون».
فلفظة بدنك الواردة في هذه الآية الشريفة هي من هذيل ومعناها الدرع. ولقد قرأها أبو حنيفة بإبدانك يريد بدروعك. وعندنا شاهد آخر من الشعر العربي يظهر أن لفظة بدن بقيت تحمل معنى الدرع زمنا ليس بالقصير وكانت معروفة متداولة بين الناس
أعادل شكتي بدني وسيفي وكل مقلص سلس القياد
ويحكي لنا الرواة تعقيبا على هذا البيت أن هذا الشاعر كان يملك درعا من ذهب وهو هنا يفتخر به وبسيفه وبفرسه المكتنز اللحم.
18. «حصيد» ولها معنيان، أولاهما «منحدر من الأرض» بلهجة العمالقة، وثانيهما « ما سوى من الأرض» بلهجة قبيلتنا هذه التي نتحدث عنها وتوجد هذه اللفظة في سورة هود الآية 100.
19. لفظة «ظل» الموجودة في سورة النحل الآية 58 ومعناها صار ورغم أن في الآية إشارة إلى القبيلتين خزاعة وكنانة اللتان كانتا تقولان أن الملائكة بنات الله: «ويجعلون لله البنات سبحانه، ولهم ما يشتهون وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم» فإن هذه المفردة هذلية لا جدال فيها، هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن المعنى الإجمالي للآية لا يستقيم إذا اعتبرنا ظل بالمعنى المعروف المتداول بيننا الآن في لغتنا.
ولقد خبط الذين تعرضوا لهذه الآية بالشرح خبط عشواء لم يخرجوا إلا بالتأويلات البعيدة.
أما الزمخشري، وهو اللغوي المحنك فقد غاص مع المفردة إلى الأعماق وقال في شرحها: «ظل بمعنى صار».
لكن العلامة أحمد بن المنير رد عليه في كتابه المسمى بالانتصاف بما لا يمكن أن يقوم حجة ضد ما ذهب إليه جار الله، تلك المعنى التي أثبتناها أعلاه.
قال: «جاز أن يراد الظلول نهارا لقصد المبالغة في وصفهم بالعناد والإصرار وأنهم لو عرجوا نهارا في الوقت الذي لا يتغابى على البصر فيه شيء إلى السماء لتمادوا في كفرهم وتكذيبهم والله أعلم».
20. المبذرون: ومعناها المسرفون وهي موجودة في سورة الإسراء الآية 27.
21. شاكلته: وهي بمعنى ناحيته في اللهجة الهذلية وتوجد في سورة الإسراء الآية 84.
22. قوله عز وجل:« رجما بالغيب» أي ظنا في الغيبة وتوجد هذه اللفظة في سورة الكهف الآية 22.
23. قوله تبارك وتعالى: «ملتحدا» ومعناه ملجأ، وتوجد هذه المفردة بسورة الكهف أيضا الآية 27.
وقد يظن ظان أن لفظة «الكلمات» الموجودة في هذه الآية الشريفة معناها «اللفظ» واعتقد – والله اعلم- أن المقصود ب «لكلمته» هي الآيات القرءانية، وحجتنا على ذلك قوله تعالى: « وإذا بدلنا آية مكان آية» وقوله كذلك: « أيت بقرءان غير هذا أو بدله» فقال له ربه: وأتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلمته، ولن تجد من دونه ملتحدا».
24. «يرجو» الموجودة في آخر آية من سورة الكهف ورقمها 100 ومعناها يخاف بلغة هذيل.
25) “هضما” الموجودة في الآية 112 من سورة طه والتي يقول الحق سبحانه وتعالى فيها : “ومن يعمل من الصالحات وهو مومن فلا يخاف ظلما ولا هضما” والهضم الموجود في هذه الآية معناه النقص بلغة هذيل.
26) قوله “هامدة” معناها بهذه اللغة مغيرة. وهي لفظة موجودة في سورة الحج الآية 5 – وفيها حكاية دقيقة ورائعة للبعث إذ الأٍرض يومئذ يابسة مغبرة.
27) قوله “واقصد في مشيك” معناها بهذه اللغة أسرع. وهي في الآية 18 من سورة لقمان ويخيل إلى أن معناها قد تطور لما عم استعمالها في اللغة العربية الفصيحة، فحادت قليلا عن معناها الأصيل. ولا ريب أن معناها صار : “اقتصد في المشي” أي كن وسطا في مشيك لا تدب دبيب المتكاسلين ولا تجر جري المفتونين الشطارين، لأن ذلك يذهب ببهاء المؤمن ويزيل عنه السكينة والوقار.
وفي الحديث : “القصد القصد تبلغوا”، أي عليكم بالقصد من الأمور في القول والفعل وهو الوسط بين الطرفين.
وأعتقد أن وصف عائشة أم المؤمنين لعمر رضي الله عنهما لما قالت “كان إذا مشى أسرع” يوافق هذه الآية من وجهها الذي ذهبنا إليه.
28) كلمة “ثاقب” وهي في الآية العاشرة من سورة الصافات ومعناها في لغة هذيل “مضيء” ولا شك أنها تدل في الآية على الإضاءة الشديدة.
29) قوله “الأحداث” في الآية 51 من سورة يس – وهي بمعنى القبور. ومن القراء من يبدل الثاء فاء، لأن العرب كما قال الفراء “تعقب بين الفاء والثاء في اللغة” …
30) قوله : “أواب” في الآية 19 “والطير محشورة، كل له أواب” من سورة ص ومعناه مطيع عائد إلى طاعته بالتسبيح والتهليل وكانت هذه اللفظة كثيرة الشيوع متداولة ومعروفة أيضا في لغتي كنانة وقيس عيلان، كما سيتضح ذلك بعد قليل.
وواضح من عبارة ابن منظور إنها للمبالغة من رجل آيب من قوم أوب أي كثير الرجوع إلى الله عز وجل من ذنبه.
وقد ذكر اللغويون في هذه اللفظة سبعة أقوال ليس هذا مكانه. وهذه اللفظة مستعملة في القرآن بكثرة على صيغ مختلفة كقوله تعالى : “وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب”. وكقوله : “يا جبال أوبي معه”. وكقوله : “داوود ذا الأيد، إنه أواب”.
كما استعملها الرسول صلى الله عليه وسلم في أحاديثه : كان يقول إذا أقبل من سفره : “آيبون نائبون لربنا حامدون” كما قال : “شغلونا عن صلاة الوسطى حتى آيت الشمس، ملأ الله قلوبهم نارا”.
31) لفظة : “يخرصون” في الآية 20 من سورة الزخرف، ومعناها يكذبون. لقد شرحها الزجاج بهذا فقال في قوله تعالى : “قتل الخراصون” : الكذابون.
32) يرجون في قوله تعالى : “قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قوما بما كانوا يكسبون” وهي الآية 14 من سورة الجاثية.
33) قوله : “بالهم” في الآية الخامسة من سورة القتال التي يطلق عليها أيضا سورة محمد والآية
هي : “سيهديهم ويصلح بالهم” ومعنى هذه اللفظة في لغة هذيل : حالهم.
34) كلمة : “يهجعون” الكائنة في قوله تعالى : “كانوا قليلا من الليل ما يهجعون” الآية 17 من سورة الذاريات ومعناها ينامون.
35) لفظة : “ذنوب” في قوله عز وجل : “فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون” ومعناها نصيبا من العذاب.
36) الدسر التي بمعنى المسامر في الآية 13 من سورة القمر والتي يقول الحق سبحانه فيها. “وحملناه على ذات ألواح ودسر” كما وردت هذه المفردة بهذا المعنى في حديث لعلي كرم الله وجهه قال : “رفعها بغير عمد بدعمها ولا دسار ينتظمها.
والدسر بضم السين جمع لدسار بكسر الدال كما نجمع على دسر بتسكين السين كعسر وعسر.
37) لفظة الأمد الهذلية الموجودة في الآية 16 من سورة الحديد ومعناها الأمل. وهي الآية التي أبكت قوما من أهل اليمامة لما قرئت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم صامتون يستمعون.
فماذا يا ترى يقول عنا الحق سبحانه وتعالى، نحن الذين نقرأه بأتمه، ونستمع إلى ترتيله صباح مساء، ولا تخشع قلوبنا القاسية. وقد ظهر فينا من الفسق ما لا يستطيع وصفه الواصفون، والعياذ بالله – قال تعالى في هذه الآية : “ألم يان للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق. ولا تكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون”.
وقد وردت هذه المفردة في أربع آيات من القرآن الكريم جاءت في سورة الحديد، وهي التي تعرضنا لها أعلاه كما وردت في آل عمران الآية 30 وفي الكهف الآية 12 وأخيرا في الجن الآية 25.
38) التفاوت بضم الواو ومن قرأها بفتحه أتى بمصدر غريب تنكره اللغة العربية الفصيحة. قال إمام النحاة شاهدا على ذلك : “ليس في المصدر تفاعل ولا تفاعل” الأولى بفتح العين والثانية بكسرها.
39) أرجائها وهي لفظة بمعنى نواحيها وتوجد في الآية 17 من سورة الحاقة.
40) قوله تعالى “أطوارا” في الآية 14 من سورة نوح التي يقول فيها عز وجل : “وقد خلقكم أطوارا” ومعناه ألوانا.
41) لفظة “وزر” في الآية 11 من سورة القيامة وهي : “كلا لا وزر” ومعنى هذه الكلمة في لغة هذيل ولد الولد، ويكون معنى كلامه تبارك وتعالى : “سيقال للإنسان يوم القيامة حين يبرق البصر ويخسف القمر وتجمع الشمس والقمر : “لا ولد لك تستغيث به وتلجأ إليه”.
وتستعمل هذه المفردة في لغة أهل اليمن بمعنى الحيلة. كما أن المهتمين بلهجات القرآن يقولون لها معنى “لا حيل ولا ملجأ” في لغة توافق النبطية.
42) قوله تعالى : “بردا” الكائنة في سورة النبأ كما يسميها جمهور شراح القرآن، وعم، كما يسميها الزمخشري في كتابه وكل من يتبعه من المهتمين بدراسة القرآن الكريم. وتوجد هذه المفردة في الآية 24 من هذه السورة ومعناها النوم بلغة هذيل – ولقد استعملها في هذا المعنى الشاعر عبد الله بن عمر بن عثمان بن عفان الملقب بالعرجي فقال :
فلو شئت حرمت النساء سواكم
وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا
وهو يقصد بالبرد النوم – كما استعملها العرب قديما بهذا المعنى في قولهم : “منع البرد البرد” وهو كما نرى من الجناس التام.
43) “دهاقا” في قوله تعالى : “وكأسا دهاقا” ومعناها ملأى الآية 34 من سورة النبأ أو عم كما سبقت الإشارة إلى ذلك.
44) لفظة بظنين على من يقرأها بظاء معجم فإذا كان كذلك كانت المفردة هذلية وجاءت بمعنى متهم، أما إذا كانت غير معجمة، وهي القراءة السائدة عندنا في المغرب فتكون بمعنى بخيل وهي لغة قريش ولا تهمنا – وتوجد هذه المفردة في سورة التكوير الآية 24.
45) قوله تعالى “زرابي” في الآية 16 من سورة الغاشية التي يقول فيها عز وجل : “وزرابي مبثوتة” وهي الطنافس والغريب في الأمر أن هذه المفردة مستعملة في لهجتنا المغربية بالمعنى الموجود في لغة هذيل.
46) قوله : “مسغبة” في الآية 14 من سورة البلد ومعناها مجاعة بلغة هذيل.
هذه هي الألفاظ الهذلية الموجودة في القرآن الكريم وسنشرع في حديثنا المقبل في سرد ألفاظ قبيلة أخرى.

قبيلة كنانة
لقد أحصيت 29 لفظة كنانية في القرآن الكريم عدا ما لم أتنبه إليه. وهذه الألفاظ هي:
1- لفظة «الخاسئين» في قوله تعالى، ولقد علمتم الذين اعتمدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا خاسئين. سورة البقرة الآية 64.
واعتقد أن معناها صاغرين في هذه اللغة، لان الخلاف حول معناها شديد جدا. فالزجاج يظن أن معناها مبعدين، بينما جمهور الشراح على أن معناها مدحورين. ويخيل إلى أن الزجاج يعطي لهذه المادة «خسا» معنى واحد هو التباعد إلا في لفظة واحدة سأذكرها بعد قليل. فقد شرح قوله تعالى: قال اخساوا فيها ولا تكلمون ب:«تباعدوا فيها» وشرحه هذا يوافق معنى الحديث: خسات الكلب أي أبعدته، واللفظة التي أعطاها الزجاج معنى آخر غير التباعد هي «خاسئا» في قوله تعالى:«ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير» وقد شرحها رحمه الله ب «صاغرا» ونظرا لهذا الإجماع فضلت أن يكون معنى خاسئين التي نحن بصدد الكلام عنها:«صاغرين».
2- كلمة «شطر»: الكائنة في سورة البقرة الآية 144 ومعناها التلقاء والنحو.
3- مفردة «حصور»: من سورة آل عمران الآية 39 ومعناها بهذه اللغة:«الذي لا حاجة له في النساء» هذا عندي هو المشهور، أما ما ذهب إليه بعض الشراح، وهم كثيرون، فضعيف لا اعتز به، إلا أن يظهر لي دليل قاطع على صدق زعمهم وبطلان ما أرجحه، وفي انتظار هذا فشرحهم كلمة حصور الكنانية بقولهم، هو الذي لا يدخل مع القوم في المسير ضعيفة. ولقد اعتقد كثير من الشراح على الشعر العربي لتفسير هذه اللفظة، وهم يقدمون في ذلك قول الأخطل:
وشـارب مربـح بالكـأس نادمنـي
لا بالحصـور ولا فيهــا بسئـــار
ويفسر شراح هذا البيت لفظة الحصور بأنه «الرجل الذي يمنع نفسه من الدخول على القوم فيس لعب المسير».
ولكن هذا إذا كان صحيحا، فهو معنى لاحق، أما نحن فنعطي للكلمات معناها الأول في لغتها الأصلية، ولا يهمنا بعد ذلك ما آلت إليه المفردة، بعد أن دخلت لغة قريش، وأخضعتها لناموس قواعد اللغة العربية واشتقاقاتها.
4- أما لفظة «تدخرون» في الآية 49 من سورة آل عمران فالخلاف فيها قائم على أشده. ولكنهكم يكادون يتفقون جميعا على أنها أن قرئت مثقلة فتميميا، وإما أن قرئت مخففة فكنانية، ولهذا ادمجناها هنا. والملاحظ أن هذه اللفظة كتبت بدال مهملة في جميع المصاحف التي بيدي وقواميس ألفاظ القرآن الكريم التي رجعت إليها.
لكن الإمام الزمخشري يعلق عليها لعلقا خفيفا فيقول: وقرئ تدخرون بالدال والتخفيف، وهو تعليق بسيط لا يشفي الغليل، ولم يعودنا على مثله الإمام جار الله، وهو ما هو من إتقان اللغة العربية والبحث عن غوامضها والغوص إلى أعماقها. والظن عندي أن هذه المفردة لم تنل ما كانت تستحقه من بيان عند الشراح والمفسرين ولكتابتها بدال مهملة لو بذال معجمة وجوه، ولابد أن يختلف معناها في إحدى هذه الوجوه على الأقل، فان قدرنا إنها لما دخلت لغة قريش بهذا المعنى الذي اشرنا إليه سابقا والذي لا زالت تعرف به حتى كتبت بدال مهملة فرسمها الآن في مصاحفنا على هذا الشكل الذي توجد عليه لا يكون مشكلا ذا بال، إذ نعرف أن وزن افتعال حينما تكون فاؤه دالا، أو زايا أو ذالا فان التاء الزائدة تقلب دالا، فيجتمعا مثالان ويقع الأدغال، وهذا هو سر تدخرون المثقلة، وهي كما يقول بعض المتهمين بهذا الأمر، تميمية لا كنانية، أما أنا فاستبعد دخول هذه المفردة إلى اللغة العربية الفصيحة بدال مهملة كما سبق أن بينت أعلاه، لان دخر بهذا الرسم لها معنى لآخر غير الذي تقصد إليه الآية الشريفة وهوة الذل والصغار. ولهذا استبعده كل البعد. فلم يبق إلا ذخر بدال معجمة. وإذا كان الأمر كذلك، فيحق لسائل أن يسال: ولماذا إذن، والحال هذه، كتبت تدخرون بدال مهملة في جميع المصاحف المشهورة؟ والجواب عن هذا السؤال بسيط للغاية. فتاء افتعل قلت دالا مهملة لان فاء الفعل ذال، وهم في هذه الأحوال يتبعون طريقتين، أما أن يحولوا الدال المنقلبة عن التاء ذالا معجمة، ثم يدغمونها في الذال الأصلية، فتصير تذخرون بدال معجم.
وقليل ما اختاروا هذا الطريق، وأما أن يقلبوا تاء افتعل دالا مهملة ثم يحولون الذال الأصلية إلى دال مهملة أيضا، فيجتمع المثالان ويقع الأدغال وهذا هو المشهور عندهم.
ويخيل إلي انه يكاد يكون مطردا. ويعزز ذلك ما جاء في القرآن الكريم على هذا الشكل وجميعه مهمل، كما في الآية 45 من سورة يوسف قال تعالى:«وقال الذي نجا منهما واذكر بعد امة أنا أنبئكم بتأويله فارسلون» واصلها إذ تكر ثم قلبت إلى إذ ذكر ثم إلى إذ ذكر ثم إلى اذكر.
ولفظة مذكر الموجودة ست مرات في ست آيات من سورة القمر.
5- «خلاق» ومعناها بلغة كنانة نصيب وتوجد في الآية 77 من سورة آل عمران التي يقول فيها عز وجل: «إن الذين يشترون بعهد الله وإيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكهم ولهم عذاب اليم».
6- «فورهم» :الكائنة في سورة آل عمران الآية 125 والتي كانت تدل في لغة كنانة على الوجه ويقال إنها كانت مستعملة بهذا المعنى عند هديل وقيس غيلان أيضا. ولا شك أن معناها لم يتغير بمرور القرون، فهي تدل الآن في اللغة العربية الفصيحة على الحالة التي لا ربت فيها ولا تعريج، كأنه لم يجد الوقت ليدبر وجهه لشيء آخر غير الذي هو بصدده، وهذا دال على السرعة.
7- كلمة «مبلسون» ومعناها آيسون من كل خير، الآية 44 من سورة الأنعام. شرحها الزمخشري بقوله «واجمون» متحسرون «آيسون»« وسأتعرض لها ولأخواتها بشيء من التفصيل في رقم 18. ولا ادري لماذا أصررت على توزيعها.
8- «تهنوا» : الموجودة في سورة آل عمران أيضا، الآية 139. ومادتها الأصلية في اللغة العربية وهن ومعناها بلغة كنانة تضعفوا ولكن قريش شاركتها في هذا المعنى أيضا. ولها نفس المعنى في الآيات الأخرى. وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم».
9- لفظة «ملوكا» في الآية 20 من سورة المائدة ومعناها أحرارا.
10- «قبلا» : بكسر القاف وفتح الباء لغة كنانية ومعناها بهذا اللهجة عيانا. أما من قراها بضم القاف والباء يكون أعطاها معنى فوجا، ويكون قراها بلغة تميم. وهي موجودة في الآية 111 من سورة الأنعام. وقد وردت هذه اللفظة بالقراءتين في سورة الكهف الآية 55 وبالمعنيين المذكورين أيضا. ويجوز قراءتها بفتحتين أن أريد إعطاؤها معنى «مستقبلا» أي يأتيهم العذاب مستقبلا. فانظر إلى خفة هذه اللغة وجمالها، لله درها.
11- «معجز» في الآية: فسيحوا في الأرض أربعة أشهر، واعلموا أنكم غير معجزي الله وان الله مخزي الكافرين. وهي الآية الثانية من سورة التوبة. ومعناها «سابقا» بلغة كنانة. وكل لفظة مشتقة من هذه المادة فهي كنانية.
12- «يعزب» في قوله تعالى:«وما يعزب عن ربك من منقال ذرة في الأرض ولا في السماء» وهي كائنة في سورة يونس الاية61. واللفظة موجودة أيضا في سورة سبا الآية 3، وكلها بمعنى يغيب كما هو معروف عندنا الآن في اللغة العربية الفصيحة.
13- كلمة «تبتئس» في سورة هود، الآية 36 التي يقول فيها الحق سبحانه:«وأوحي إلى نوح انه لن يومن من قومك إلا من قد آمن، فلا تبتئس بما كانوا يفعلون» ومعناها تحزن، كما وردت بهذا المعنى أيضا في الآية 69 من سورة يوسف.
14- «ولا تركنوا» معناها بلغة كنانة لا تميلوا الكائنة في السورة هود الآية 113. وتقرا عند جمهور القراء بفتح التاء اوضمها مع فتح الكاف وقد قراها أبو عمرو رضي الله عنه بكسر التاء على لغة تميم، وعندي أن قراءتها بفتح التاء أفضل لك أن من قراها بكسر التاء ظن أنها تميمية ولم تقم لحد الساعة الحجة إلا على أنها كنانية، ولم يصلني إنها تميمية قط، ولهذا كنت مضطرا، عفا الله عني أن أخالف هذا الشيخ الجليل، الوقور، الثقة.
وهذا الميل الذي ينص عليه معناها هو ميل خفيف لا يظهر للمتأمل إلا بالسبر الطويل، والبحث المتاواصل، ومع ذلك نهي الحق سبحانه عباده أن يميلوا ولو بهذه الصفة التي أشرت إليها، إلى الذين ظلموا، مخافة أن يمسهم النار ثم لا ينصرون.
قال الزمخشري موضحا ذلك: وتأمل قوله «ولا تركنوا»، فان الركون هو الميل اليسير. وقوله «إلى الذين ظلموا» أي إلى الذين وجد منهم الظلم، ولم يقل إلى الظالمين».
ولقد أعطتنا هذه المادة كلمات أخر في القرآن الكريم، جاء اثنان منها في سورة هود وثالثة في سورة الإسراء الآية 74 ورابعة في سورة الذاريات الآية 39.
15- «السرابيل» سربال ومعناه بهذه اللغة الدرع الواقي من البأس، سورة النحل الآية 81. ويخيل إلى أن هذه المفردة صارت لما دخلت لغة قريش تعني كل ما بقي من البأس أو البرد أو الحر ويوضع على الجسد. ولهذا شرح الزمخشري في كشافه واحمد المحلي وأبو بكر السيوطي السرابيل الأولى في الآية بالئياب والقمصان من الصوف والكتان. والجدير بالذكر هنا أن الشيخ محمد عليان المرزوقي، صاحب الحاشية المشهورة على تفسير الكشاف يأخذ على الزمخشري سكوته، آن شرحه لهذه المفردة عن القبيلة التيس تستعمل عادة سرابيل في لهجتها، ولهذا رأيناه يضيف على الشرح السابق:«يعني عند العرب، وخصوصا قطان الحجاز، وهم الأصل في هذا الخطاب». ورغم أن الآية قرئت على أعرابي واحد كما أخرجه ابن أبي حاتم عن مجاهد، إلا أن الخطاب موجه حقيقة في أصله وفعله إلى العرب جمعاء، بل إلى البشرية كافة لان الناس كلهم، إلا من اخذ الله بيده يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها.
16- «فجوة» في سورة الكهف الآية 17 ومعناها الناحية بلغة كنانة.
17- «الضد» في الآية 82 من سورة مريم:«كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا». ومعناه في لغة كنانة العدو والخصم.
18- لفظة «الابلاس» الموجودة خمس مرات في القرآن الكريم.
أ‌- في الأنعام، الآية 44:«فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء، حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون» وقد سبقت الإشارة إليها في رقم 7.
ب‌- في المؤمنون الآية 77:«حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون»
ج‌- في الروم، في آتين الأولى 12 «يوم تقوم الساعة يبلس المجرمون». الثانية 49:« وان كانوا من قل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين».
د‌- في الزخرف- الآية 75«لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون» وجميعها كنانية بمعنى اليأس من الخير والسكوت والانكسار غما وحزنا، وقد دخلت هذه المفردة للغة العربية واستعملت فيها استعمالا واسعا في الشعر والنثر، ليس هذا مكان بسط القول فيها.
19- «السرد» اسم جامع للدروع بلغة كنانة الآية 11، سورة سبا التي يقول فيها سبحانه:«وقدر في السرد» وقد شرحها ابن منظور في كتابه لسان العرب بقوله:«هو إلا يجعل المسمار غليظا والثقب دقيقا فيفصم الحلق، ولا يجعل المسمار دقيقا والثقب واسعا فيتقلقل أو ينخلع أو يتقصف اجعله على القصد وقدر الحاجة». وهو كلام جميل كما ترى.
20- كلمة «دحور» في الآية 9 من سورة الصافات، ومعناها الطرد بهذه اللغة.
21- «أو» الموجودة في الآية 147 من سورة الصافات:«أرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون» كنانية ومعناها بل.
22- «أواب» سورة ص الآيات 17، 19، 30، 44 سورة ق الآية 32 ومعناها بهذه اللغة المطيع. ولم تكن هذه اللفظة مقتصرة على لغة كنانة فقط، بل كانت مستعملة بهذا المعنى ذاته في لغة هذيل وقيس غيلان.
23- «بركنه». لقد سبقت الإشارة لهذا المادة في الرقم 14 من هذه الحلقة، وقلت هناك أنها تفيد معنى الميل بالشكل الذي بينته، غير أن هذه اللفظة في هذه الآية 39 من سورة الذاريات:«فتولى بركنه وقال ساحر أو المجنون»قد يكون لها ، أو على الأقل، خيل إلي أن لها في هذه اللغة معنى آخر دقيقا، وجبت الإشارة تاليه، وهذا المعنى هو الرهط من أنصاره وجنوده ومؤيديه. وقد شرح المفسرون هذه المفردة شروحا مختلفة، وفقوا في بعضها وأخفقوا في البعض الآخر، ويظهر هذا الاضطراب جليا عند القراء، فمنهم من قراها بسكون الكاف، وهي القراءة المشهورة عندنا في المغرب، ومنهم من قراها بضم الكاف، ولا أرى لها وجها.
24- كلمة «مدينين» في الآية:«فلولا أن كنتم غير مدينين» من سورة الواقعة ومعناها مبعوثين بلغة كنانة يزعم الشراح القدماء أن هذه المفردة مستعملة أيضا في لغة حمير بمعنى «محاسبين».
25- لفظة «آسفارا» في الآية 5 من سورة الجمعة ومعناها كتبا.
26- كلمة «اقتت» في الآية 11:«وإذا الرسل اقتت» سورة المرسلات، ومعناها جمعت في هذه اللغة.
27- «سفرة» الآية 15 من سورة عبس. ومعناها كتبة، وهي من نفس المادة التي أشرت لها في الرقم 25 من هذه الحلقة. جاء في الصحاح: أن مفرد سفرة سافر، ككافر كفرة.
28- «الثاقب» في الآية:«النجم الثاقب» وقم 3 من سورة الطارق، ومعنى هذه اللفظة في لغة كنانة المضيء.
29- «كنود» في الآية 6:«إن الإنسان لربه لكنود» سورة العاديات ومعناها كفور للنعم.
قال الكندي الكنود بلسان كندة العاصي، وبلسان بني مالك، البخيل، وبلسان مضر وربيعة الكفور.
هذه الألفاظ الكنانية المستعملة في القرآن الكريم، ومن الجائز جدا أن أكون قد أغلفت منها كلمات أخر فالقرآن بحر يصعب على من كان ضعيفا مثلي أن يلج غماره دون أن يقع في الزلل. لكن حسبي إنني حاولت، بنية خالصة، تصنيف هذه الدور التي كانت حتى اليوم مبعثرة، مشتتة في أمهات يصعب الرجوع إليها.
والله ولي التوفيق.

قبيلة حمير
اما القبيلة الثالثة التى استعار القرآن الكريم منها الفاظا , فهي حمير وتأتى كما وصلت اليه في بحثي , فى الدرجة الثالثة بعد هذيل وكنانة  اذ تشارك فى القرآن الكريم بحصة مهمة بلغ تعدادها 26 لفظة.
ولا يعزب عن احد الفرق الكبير الموجود بين لغة حمير هذه ولغة قريش , قال الدكتور طه حسين فى كتابه ( الادب الجاهلي ) : ( إن هناكط خلافا قويا بين لغة حمير ( وهي العرب العاربة ) , ولغة عدنان ( وهي العرب المستعربة ) وقديما قال العالم اللغوي المشهور ابو عمرو بن العلاء : ( ما لان حمير بلساننا , ولا لغتهم بلغتنا ) غير ان مثل هذا البحث , ان كان مجد , فقد يقودنا الى ابعد مما نريده , وهو من جهة اخرى امر آخر لا يدخل فيما عزمنا عليه من كتابته , ولذا نتركه لغيرنا يخوض فيه اما نحن فلنبحث في القرآن الكريم عن المفردات الحميرية , نحدد مكانها فى الكتاب العزيز , ونحاول شرحها جهد المستطاع.
1.    “سيدا” في قوله تعالى : فنادته الملائكة وهو قائمٌ يصلي في المحراب ان الله يبشرك بيحي مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين ) الآية 39 من سورة آل عمران , ومعناها (الحكيم) بلغة حمير.
وبما انها قرشية قام اللغويون القدماء , الذين كانوا لا يحبون ان يسمعوا ان مفردة من غير لغة قريش استعملت فى القرآن , يبحثون عن اوزان في اللغة القريشية الفصيحة وعندما اعياهم البحث ولم يجدوا مبتغاهم , قالوا كما قال اسماعيل ابن حماد الجوهري في قاموسه الصحاح : ( لان تقدير سيد فعيل وهو مثل سري وسراة ولا نظير لهما ) وهو كلام لا يقنعنا لانه لا يفيد شيئا.
ولا ادري هل كلمة “السيد” التى تعغنى المسن من المعز , والتى اوردها النبي صلي الله عليه وسلم في حديثه الشريف حين قال : ثني الضا خير من السيد من ” المعز ” اخذت من السيد الحميرية ام لا . ولا احب ان اقول شيئا ما دامت بحوثي في هذا الباب لم تأت بطائل بعد.
2.    لفظة ” تفشلا” بسورة آل عمران الآية 122 ومعناها “تجبنا” والخطاب موجه الى طائفتين من المجاهدين وهما حيان من الانصار الاول بنو سلمة وهم (الخزرج) والثاني بنو الحارثة وهم (الاوس) , وكانا يمثلان جناحي جيش رسول الله صلى الله عليه وسلم , لا يزيد عدده على الف مجاهد . وكان من بينهم المنافق عبدالله بن ابي الذي استطاع ان يوسوس في نفس بني سلمة وبني الحارثة , وكاد ان يكرههم في الجهاد في سبيل الله لولا ان عزم الله لهم على الرشد.
واخرج الشيخان عن جابر عن عبدالله قال : ( فينا نزلت بني سلمة وبني الحارثة : إذ همّت طائفتان منكم ان تفشلا )
3.    كلمة “سفاهة” في الآية 66 من سورة الاعراف ومعناها جنون في هذه اللغة . والحق سبحانه وتعالى يشرحها اكثر في الآية اللاحقة إذ يقول : ( قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين ) وليس بهذا النبي جنون ولكنه رسول حق وهداية وناصح امين وهذه المادة مذكورة احدى عشرة مرة : خمسة في البقرة وواحدة فى النساء, واحدة في الانعام, ثلاثة في الاعراف, وواحدة فى الجن.
ولا بد ان ابدي هنا ملاحظة عنت لي , ارجو الله ان اكون موفقا فيها , اعتقد ان اصل هذه الكلمة الحميرية سفه بضم الفاء دون غيره , ومن هنا يكون الفعل لازما لأن فعل بالضم لا يكون متعديا ابدا , فيقال فيها سفه فلاه اي جُن.
واما سفه بالكسر فيكون اصلها السفه الذي هو ضد الحلم واصله الجفة والحركة وتكون قرشية.
والذي يعزز ما ذهب اليه ما يذكطره عرضا اللغويون القدماء في هذه الكلمة , فقد اجمعوا كلهم تقريبا علي ان : ( سفه فلان بالضم سفها وسفاهة وسفه بالكسر سفها , لغتان اي صار سفيها ) .
4.    مفردة “زيلنا” الكائنة في سورة يونس الآية 28 ومعناها ميزنا بلغة حمير . وفي القرآن لفظة اخرى من مادتها وهي “تزيلوا” في الآية 25 من سورة الفتح : ( لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا اليما ) .
5.    كلمة “مرجوا” في الآية : ( قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا اتنهانا ان نعبد ما يعبد ءاباؤنا واننا لفي شك مما تدعونا اليه مريب ) الآية 62 من سورة هود ومعناها بلغة حمير “حقيرا”.
واعتقد ان هذه الكلمة صادفت بشكل عرضي غريب اسم المفعول من فعل رجا.
والواقع ان سياق الكلمة الكريمة يستقيم بعض الشيء عندما تعطي لهذه اللفظة المعنى الذي يحمله اسم المفعول من رجا . واليه ذهب الزمخشري في كتابه الكشاف1  ولكنه وهو اللغوي البارع , لاحظ ان الشرح بقي مغبونا , فصار يأتي بالتاويلات عله يعطي للآية الشريفة ما تستحق من بيان وتوضيح.
وهكذا اتى بثلاث تأويلات لهذه الكلمة فقال فى التأويل الاول ما مؤاده : ( كانوا يرون فيه مخايل الخير ) وقال في التأويل الثاني : ( وكانوا يرجون الانتفاع به , ولكن انقطع رجاؤهم لما نطق بما نطق به ) اما التأويل الاول فقد رواه عن ابن عباس الذي فسر مرجوا بـ ( فاضلا ) و ( خيرا ) واخيرا اولها بانهم كانوا يرجون ان يدخل في دينهم.
لكن تفسير الآية يستقيم تمام الاستقامة بما للفظة من معنى في لغة حمير وعلم ذلك عند الله.
6.    لفظة “السقاية” الكائنة في الآية 70 من سورة يوسف ( فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل اخيه ثم اذن مؤذن ابتها العير انكم لسارقون ) كما جاءت نفسي هذه اللفظة فى الآية 19 من سورة التوبة.
ومعناها في لغة حمير الاناء مطلقا . لكن الشراح اولوها تأويلات طويلة فمنهم من شرحها بمشربة
ومنهم من قال انها هي صواع الملك الذي تكلم عنه القرآن في الآية 72 من نفس السورة : ( قالوا نفقد صواع الملك , ولمن جاء به حمل بعير وانا به زعيم ) وقالوا انها هي المكوك الفارسية .

7.    لفظتا “حما مسنون” وقد وردتا ثلاث مرات في سورة الحجر في الآيات 26 و 28 و 33 ولم تردا في مكان آخر من القرآن , والحما بلغة حمير هو الطين ولعله الطين الاسود , والمسنون المنتن المتغير.
ولقد ذهب الشراح هنا مذاهب مختلفة , كل حسب اجتهاده , ومداركه اللغوية , فمن اراد التوسع رجع الى المطولات يجد ضالته.
والملاحظ هنا ان اللفظتين لم تردا فى القرآن الكريم منفصلتين ابدا . وهذا يقوم دليلا قاطعا على ان الحما لا يكون الا مسنونا , والمسنون لا يكون الا من حما , واستعمالهما منفردتين خطأ , اعتقد ان اللغة العربية لا تسمح به.
8.    الكلمة “فسينغضون” فى الآية ( فسينغصون اليك روؤسهم ويقولون متى هو ؟ ) والتى رقمها 51 من سورة الاسراء . ومعناها (يحركون) بلغة حمير . ولم ترد هذه المفردة الا في هذه الآية , ولهذا ندر جدا استعمالها في اللغة العربية .
9.    “مسطورا” في الآية 58 من سورة الاسراء , ومعناها ( مكتوبا ) بهذه اللغة وما من شك ان الفعل المضارع يسطرون في الآية ( ن والقلم وما يسطرون , ما انت بنعمة ربك بمجنون ) رقم 1 من سورة القلم هي من نفس المادة .
ولقد وردت لفظة مسطورا بهذه الصيغة في آيتين اخريين هما : ( والطور وكتاب مسطور في رق منشور ) الآية 2 من سورة الطور . و ( والا ان تفعلوا الى اوليائكم معروفا كان ذلك فى الكتاب مسطورا ) الآية 6 من سورة الاحزاب .
10.     “حسبانا” في قوله تعالى : ( فعسى ربي ان يؤتيني خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء ) الآية 140 من سورة الكهف . ومعناها بردا بلغة حمير . ولعل حسبانا الكائنة فى الآية 96 من سورة الانعام من هذه اللغة ايضا .
11.    “عتيا” في الآية الكريمة رقم 8 : ( وقال رب انى يكون لي غلام وكانت امرأتى عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا ) في سورة مريم . ومعناها بلغة حمير تحولا وهو فيما ذهب اليه اكثر الشراح نهاية السن التى يقدرها جلهم بمائة وعشرين سنة , واصل هذه المفردة عند النحاة عتا كغزا فيكون اصلها واوا .
واغلبية العلماء على ان اصل عتيا عتوا ثم يذهبون في تحويل الواو ياء مذهبا غريبا , فيقولون ثم يذهبون فى تحويل الواو ياء مذهبة غريبا , فيقولون ان ضمة التاء انقلبت كسرة2 وهذه الكسرة ادت الى تحويل الواو الاول فى عوت ياء ليجانس كسرة التاء ثم تجتمع ياء وواو اخيرة فتنقلب هذه الى ياء ثم يقع الادغام .
اما محمد بن السري النحوي فيقنن هذا الامر حين يقول : ( وفعول اذا كانت جمعا فحقها القلب ,

واذا كانت مصدرا فحقها التصحيح لان الجمع اثقل عندهم من الواحد ) .
ولذا جاز ان يقول القرآن الكريم في سورة الفرقان الآية 25 : ( لقد استكبروا في انفسهم وعتو عتوا كبيرا ) لأنه مصدر , وبما انه مفرد اتى صحيحا .
وجاز له ان يقول في الآية 21 من سورة الملك ( بل لجو في عتو ونفور ) .
لكنه قال في سورة مريم : ( ثم لننزعن من كل شيعة ايهم اشد على الرحمن عتيا ) فكان حظه القلب لأنه جمعا .
هذا من حيث تصريف الكلمة , واما من حيث قرائتها فلا بد من كلمة ولو قصيرة في هذا الباب لأنها ستبين لنا ان المفردة عندما تكون دخيلة على لغة قريش , غير معروفة عندهم يقع في نطقها خلاف كبير مما يؤكد غرابتها من اللغة القريشية . يقول الزمخشري في كشافه3 عند شرحه لهذه المفردة : ( وقرا بن وثاب وحمزة والكسائي بكسر العين وكذلك صليا وابن مسعود بفتحهما , وقرأ ابي ومجاهد عسيا ) .
ويخي الي انا الامام الزمخشري وهو من هو , لم يحقق في هذا الامر كما تعهد ذلك فيه , وانا مع ضعفي , وضالة علمي , وقصر معرفتي , لا ارد , وما انا بقادر ان ارد على جار الله , وهو ما هو في هذا العلم , وانما احببت ان ابدي للناس ملاحظة , ظننت , غفر الله لي , انها على الصواب , وليس هذا طعنا يوجه إلى الامام , وما استطاع ان يطعن فيه حتى من كنت اتمنى ان اكون تلميذا له , وليس هذا نقصا يمكن ان يؤخذ به الزمخشري وانما هو سهو , او لعله على الاصح اغفال مقصود من السيد المؤلف خوفا من التطويل ورفقا لطيفا بالقراء .
اما نحن , ومهمتنا الآن الحديث عن الالفاظ الدخيلة على لغة قريش في القرآن الكريم فمطالبون بذكر – ولو من حين لحين , القراءات المختلفة , واوجه  النطق بالمفردة اذ , من شأن ذلك ان يلقي ضوءا على ما نحن بصدد تبيانه للناس , يقول الزمخشري : “وقرا” ابن مسعود بفتحهما لكن المشهور هو ان ابن مسعود لم يقرأهما بالفتح قط , وانما قرأهما بالكسر ايضا4 وقال الزمخشري : ( وقرا بي ومجاهد عسيا ) لكن ابي بن كعب ومجاهد لم يقرا فقط ( عسيا ) وانما قراها ايضا عتيا بالكسر5 كما ان الزمخشري اغفل قراءة ابن عباس الذي قراها ايضا عسيا وعتيا6 والغرض من كل هذا , هو ان نفهم ان نطق هذه المفردة لم يكن بالشيء البسيط , وانما نطق بها كل واحد من القراء حب مداركه . ولعل ذلك عائد الى غرابتها .
12.     لفظة “مآرب” في قوله تعالى : ( قال هي عصاي اتوكأ عليها واهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى ) الآية 18 من سورة طه , معناها بلغة حمير حاجات . وفي هذه الكلمة لغات لا شك انها كلها من اصل حميري , وهذه اللغات هي , ارب وارب وما ربة بضم الراء وما ربه بفتحها , وارية وهذه الكلمة الاخيرة هي الوحيدة من هذه اللغفات , غير ما  رب طبعا , التى استعملت في القرآن الكريم , في الآية 31 من سورة النور في قوله : ( او ما ملكت اسمانهن او التابعين غير اولي الاربة ) والغالب على الظن ان الكلمة الحميرية مآرب هي الكلمة الاولى التى دخلت اللغة العربية الفصيحة بدليل وجودها في مثل عربي قديم هو : ( ماربه لا حفاوة ) .
13.     كلمة “غرام” في الآية 65 من سورة الفرقان , ومعناها بهذه اللغة بلاء , وكثيرا ما يشرحها المفسرون بالعذاب الملازم لان الغرام بلا ملازم , وفي هذا المعنى استعمله الاعشى حين قال :
ان يعاقب يكن غراما وان يعــ ** ـــط جزيلا فانه لا يبالي
14.     لفظة “الصرح” في الآيبة 44 من سورة النمل : ومعناها بلغة حمير البيت لكن الشراح يفسرون الكلمة معتمدين على القرائن لا على اصل المفردة , واعتقد انهم على حق ما داموا لم يبتعدوا عن المعنى الاجمالي الذي قصد اليه الحق سبحانه . وهكذا شرحها الامامان جلال الدين محمد بن احمد المحلي وجلال الدين عبدالرحمن ابن ابي بكر السيوطي بقولهما : ( هو سطح من زجاج ابيض شفاف تحته ماء عذب جار فيه سمك اصطنعه سليمان لما قيل له ان ساقيها ( والكلام عن بلقيس ) وقدميها كقدمي الحمار , ويفسرها الزمخشري بقوله : ( الصرح : القصر , وقيل صحن الدار ) وجميع المفسرين على هذا .

15.     لفظة “انكر” في قوله تعالى : ( واقصد في مشيك واغضض من صوتك ان انكر الاصوات لصوت الحمير ) الآية 19 من سورة لقمان . ومعناها بلغ حمير اقبح الاصوات .

16.    مفردة “بعلا” في الآية 125 من سورة الصافات ومعناها بلغة حمير الرب , وتجدر الاشارة هنا الى ان بعض الشراح ذكروا اصل هذه المفردة , ومن بينهم الزمخشري الذي قال : ( البعل الرب بلغة اليمن7 ) ولكنهم يذهبون كلهم تقريبا الى تأويل آخر فيذكرون ان البعل كان علما لصنم من اصنامهم مصنوع من ذهب طوله عشرين ذراعا وله اربعة اوجه , وعينوا له اربعمائة سادن جعلوهم انبياءه , ومما زين لهم ذلك ان الشيطان كان يدخل جوفه ويكلمهم بشريعة الضلالة . ويذكرون ان سكان بعلبك بالشام هم المعنيون بهذه الآيات . ويحسن ان انبه الى ان بعلا يوجد بمعنى الرب ايضا فى لغة ازد شنؤة.
17. «مرض» الكائنة في الآية 32 من سورة الأحزاب ومعناها بهذه اللغة الزنا. وواضح أنه لا يستقيم معنى هذه الآية إلا بالدلالة الحميرية لهذه الكلمة، ولقد فسرها عبد الله بن عباس بهذا المعنى الحميري وعزز ذلك ببيت الأعشى الذي جاء فيه:
حافظ الفرج راض بالتغني ليس ممن قلبه فيه مرض(8)
ولا بد أن أنبه إلى أن كلمة «مرض» مقرونة بكلمة قلب كما في هذه الآية كثيرة جدا، ولكنها لا تدل، في نظري، على الزنا، بل تعنى في أغلب الأحيان الشك والنفاق وضعف الإيمان، ويمكن أن نؤولها بأن الحق سبحانه وتعالى يمرض قلوبهم أي يضعفها، ولهذا لم ندخل ضمن الكلمات الحميرية إلا هذه المفردة الموجودة في الآية 32 من سورة الأحزاب. وغير مستبعد أن تحوم كلها حول معنى لا يبعد في مجمله عن المعنى الحميري الأصيل.
ولنمثل لذلك بآية البقرة رقم 10 التي يقول الحق سبحانه فيها: ?فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ؛ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً? ويعني عز وجل في قلوبهم ضعف، زادهم الله ضعفا على ضعفهم.
18. لفظة «مقاليد» الكائنة في الآية 63 من سورة الزمر التي يقول فيها الحق سبحانه وتعالى: ?لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ? ومثلها في الآية 12 من سورة الشورى التي يقول فيها الله عز وجل: ?لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ?‏ ومعناها بلغة حمير مفاتيح.
أعتقد أنه حان الآن إبداء ملاحظة هامة، فعندما نقول إن هذه المفردة هذلية أو كنانية أو حميرية لا نعني بذلك، أن هذه المفردة هذلية أو كنانية أو حميرية لا نزاع في انتسابها إلى اللغة التي أدخلناها فيها أو اننا نجزم جزما قاطعا ونحمل الناس على أن يعتقدوا هذا الاعتقاد بأن مفردة ما هي من لغة معينة لأن عندنا حججا علمية دامغة لا تقبل أدنى شك، وإنما نريد أن نقول إن من المرجح أن هذه المفردة عرفت وانتشرت في اللهجة الفلانية وفيها استعملت استعمالا واسعا قبل أن يتبناها القرآن فيصبغ عليها الصبغة العربية الفصيحة.
ويظهر لي أنه يستحيل- وهذا العلم ما زال في مهده- لاسيما في هذا العالم العربي أن نقول إن هذه المفردة من أصل كذا، ونركن إلى هذا القول مطمئنين ثم نغلق باب البحث والتنقيب.
وحجة ما نقول المفردة « مقاليد» التي نحن بصدد الحديث عنها، لقد أدمجناها في لغة حمير، لأن كثيرا من اللغويين القدماء قالوا ذلك، لكن الحقيقة هي أنها استعملت فقط في هذه اللهجة في وقت مبكر وقبل أن تستعمل في اللهجة القرشية؛ فهي إذا من أصل حميري بالنسبة للهجات العربية فقط، لا بالنسبة للغات العالم؛ ولهذا لا نقول بأنها من أصل حميري أصالة.
هذه من جهة، ومن جهة أخرى فنحن نملك الآن الحجة العلمية على أنها دخيلة فيها وأنها فارسية، وإذا كان السيوطي الذي اهتم بالمعرب في القرآن اهتماما بالغا قد أغفل الإشارة إلى « مقاليد» سواء في كتابه « ما وقع في القرآن من المعرب» الذي أسعدني الحظ فاطلعت عليه في دمشق في مخطوط مضاف إلى المهذب الذي ينسب إليه أيضا، أو في كتابه « الإتقان في علوم القرآن(9) الذي عنونه بـ: « فيما وقع فيه (أي القرآن) بغير لغة العرب» -أقول إذا أغفل السيوطي ذلك فقد أشار إليه الإمام الزمخشري آن تعرضه لشرح مفردة «مقاليد» حيث قال(10): « وقيل مقليد ويقال إقليد وأقاليد والكلمة أصلها فارسية». أما أن تكون المفردة في الفارسية مقاليد، فهذا غير صحيح، لأننا نعرف الآن أن كلمة مفتاح في اللغة الإغريقية هي:xhsidoc وهي في حالة النصب وينطق بها klidha(11)، ويذهب الزمخشري أن ليس لهذه المفردة واحد من لفظها إذ أنه لا يعتبر الأصل الإغريقي، وإلا لكان مفردها هو إقليد. لكن العلامة إسماعيل بن أحمد الجوهري صادف الصواب لما ذكر في الصحاح(12) أن مفردة مقاليد إقليد أو مقلد، أما الصيغة الأولى فهو الأصل الإغريقي، وهو صحيح كما رأيت، وأما الثانية فهي الصيغة العربية للكلمة الإغريقية الدخيلة، غير أنه لم يذكر على كل حال أن المفردة من أصل إغريقي.
هذه هي الملاحظة التي عنت لي، وكان لابد من إبدائها قبل مواصلة البحث حتى لا يعترض علينا معترض فيما سكتنا عنه؛ اعتقادا منا أنه معروف لدى العام والخاص، زد على ذلك أن المفردة التي ندخلها في زمرة القبيلة الحميرية مثلا، قد ينسبها بعض العلماء غير المحققين إلى قبيلة أخرى. وبما أنه في كثير من الأحيان نظر لا يعتد به، سكتنا عنه خوفا من التطويل، وترفعا عن ذكر الخلافات التي لم تأت بطائل، ورفقا بقرائنا من الدخول بهم في منعرجات لا نهاية لها، ولا نفع يرجى من ورائها.
19. لفظة «يَتِركم» في الآية 35 من سورة القتال التي يقول فيها الحق سبحانه ?فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ?» ومعناها بهذه اللغة ينقصكم.
أورد الجوهري هذه الآية نفسها وشرح كلمة يتركم قائلا(13): « أي لن ينقصكم في أعمالكم» كما تقول: دخلت البيت وأنت تريد دخلت في البيت. فهذه الكلمة لا تدل هنا إذاً على الذي قتل له قتيلا فلم يدرك بدمه، كما ذهب إلى ذلك الإمام الزمخشري حين قال(14) : «ولن يتركم من وترت الرجل إذا قتلت له قتيلا من ولد أو أخ أو حميم».
ولعل معنى الكلمة في الحديث الشريف (من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله) يوافق ما ذهبنا إليه.
20. لفظة «معكوفا» الآية 25 من سورة الفتح ومعناها بلغة حمير محبوسا؛ لكن الإمام جلال الدين السيوطي الشافعي جعلها من لغة جرهم، وأوردها في كتابه الإتقان في علوم القرآن(15) في النوع السابع والثلاثين.
21. لفظة «ألتناهم» الآية 21 من سورة الطور ومعناها نقصانهم بلغة حمير وقد سكت عنها جل المهتمين بلغة القبائل، إلا العلامة أبا القاسم بن سلام. وذكرها الجوهري في الصحاح في باب التاء فصل الألف ويعني ألت الثلاثي، وأضاف: «مثل لاته يليته وهما لغتان حكاهما اليزيدي عن أبي عمرو بن العلاء»(16).
وكلما نص عالم لغوي أو مفسر على أن مفردة ما، فيها لغتان؛ فمعنى ذلك أن المفردة المعنية بالأمر توجد في لغة أخرى غير لغة قريش، وأقر أنني جعلت من هذا مبدأ للبحث عن الكلمة ومحاولة تحديدها.
واللفظة «ألت» التي نحن بصدد الحديث عنها دليل على ذلك، فقد رأينا ما قاله الجوهري في كتابه، وهو وحده كاف لإرشادنا إلى أن المفردة توجد في غير لغة قريش، ونضيف، لتعزيز ما نقول، ماذكره عنها الإمام الزمخشري(17) وهو يعتمد في توضيحها على قراآتها المختلفة- وما قراءاتها إلا لهجاتها التي تنسب إليها- ومعلوم أن هذه المفردة لها أربع قراءات:
1. ألتناهم: وهو من بابين: ألت وألات يليت
2. آلتناهم: من آلت يؤلت
3. لتناهم: من لات يليت
4. لتناهم: من ولت يلت
22. كلمة «زعم» الآية 9 من سورة التغابن ومعناها بلغة حمير ادعى «باطلا»، وكل ما تركب منها في القرآن الكريم فهو بمعنى باطل. وإذا كنت ذكرت هذه هنا فقط، فإنما هي الصيغة الوحيدة في كتاب الله العزيز التي وردت مسندة إلى المفرد المذكر
23. «أعجاز» في الآية 7 من سورة الحاقة التي يقول فيها الحق سبحانه وتعالى: ?فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ? ومثلها في الآية 20 من سورة القمر التي جاء فيها: ?تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ?.
24. لفظة « وبيلا» الآية 16 من سورة المزمل التي يقول فيها الحق سبحانه وتعالى: ?فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا? ومعنى الوبيل بلغة حمير الشديد.
ويقول الاخفش إن «وبيلا» أخذت من الوابل وهو المطر الشديد. ثم وسع اللغويون استعمالها فقالوا: ضرب وبيل، وعذاب وبيل.
أما وبيل فيمكن أن تكون حميرية أو دخلت اللغة الحميرية في وقت مبكر جدا.
وأما الوابل التي يظن الأخفش أنها أعطت وبيلا فالاعتقاد عندي أنه وهم خاطئ.
والمعتمد عليه الآن، هو أن «المطر الشديد باللغة الآرامية- وهي اللغة التي سادت بلاد الشرق الأدنى القديم حوالي سنة 50 قبل الميلاد- هو Ybel [رموز كتابية](18) التي أعطت في اللغة العربية «وبل».
وما من شك أن مكان الماء لبني أسد(19) الذي يطلق عليه «وبال»متأثر، شديد التأثر بهذا.
25. لفظة «مرقوم» في الآية 9 من سورة المطففين التي جاء فيها «كتاب مرقوم» ومعناها كتاب مختوم بلغة حمير، وقد كررها الحق سبحانه وتعالى في نفس هذه السورة في الآية 20 حين قال: ?كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ‏ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ?.
ومن الملاحظ أن السيوطي أغفل هذه اللفظة فلم يذكرها ولعل الذين ينقل عنهم لم يذكروها. وأما الزمخشري فيشرحها بشرح خفيف(20) لا يفيد شيئا حيث يقول: «وهو كتاب مرقوم مسطور بين الكتابة أو معلم يعلم من رآه أنه لا خير فيه».
26. كلمة «رابية» في الآية 10 من سورة الحاقة، ومعناها «شديدة» بلغة حمير.
ذكرها الجوهري في مادة ربا وربوة بالضم والفتح والكسر مع تسكين الباء في الجميع ورباوة بفتح الراء، لكن صاحب اللسان زاد لغتين هما: رباوة ورباوة بالضم والكسر(21).
ولقد شرح معنى هذه اللفظة في هذه الآية العلامة الفراء بقوله: «زائدة».
ذكرت في الحلقة السابقة أن عدد ألفاظ لغة حمير هو 26 لفظة، وقد تبين لي بعد أن نشر الجزء الأول من هذه الحلقة أنني أغفلت لفظتين، أحب أن أضيفهما إلى لهجتهما معتذرا.
27. لفظة «مدينين» في قوله تعالى: ?فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا.. ?‏ في الآية 86 من سورة الواقعة. ومعناها بلغة حمير محاسبين، ولها معنى آخر بلغة كنانة كنا أشرنا إليه في ألفاظ لهجة هذه القبيلة.
أما الزمخشري فيجعلها من مادة دان ويمثل لذلك بقوله: «دان السلطان الرعية إذا ساسهم»(22) وأعتقد أنها من ذوات الياء، ذلك أن الجوهري جعلها في مادة دين(23).
28. لفظة «إمام» في قوله تعالى: ?وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ? الآية 12 من سورة يس وفي قوله تعالى: ?يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ? الآية 71 من سورة الإسراء، ومعناها بلغة حمير: «كتاب».
وجدير بالذكر أن أنص على أن من القراء من قرأ «بإمامهم» في هذه الآية بـ «بكتابهم» منهم عبد الله بن مسعود(24) المتوفى سنة 33 هجرية وعبيد ابن كعب(25) المتوفى سنة 29 هجرية.
هذه هي الألفاظ الحميرية الواردة في كتاب الله العزيز، أرجو أن أكون وفقت في إحصائها، وأحسنت شرحها. فإذا كنت أغفلت ألفاظا، وأسأت شرح بعض ما ذكرت؛ فليكن عذري أنني أخلص النية معتمدا على الله.

1- الجزء الثاني صفحة 223 طبعة القاهرة سنة 1354.
2- ويذكر صاحب الصحاح صفحة 2418 وجها آخر لسبب كسر التاء فارجع اليه .
3- الطبعة المصرية سنة 1354 هجرية الجزء 2 صفحة 406.
4- انظر كتاب المصاحف للحافظ ابي بكر عبدالله بن ابي داود سليمان ابن الاشعث السجستاني الذي حققه المستشرق ( Arthur Jeffery  ) طبعة ( Leiden E. J..Bull ) 1937 صفحة 58 .
5- نفس المصدر صفحة 144 بالنسبة لابي بن كعب وصفحة 280 بالنسبة لمجاهد .
6- نفس المصدر صفحة 201
7- الكشاف – نفس الطبعة السابقة صفحة 310 من الجزء الثالث .
(8) – الإتقان في علوم القرآن للإمام جلال الدين السيوطي ج 1 صفحة 124 طبعة القاهرة 1368 هجرية.
(9) – المصدر السابق. النوع الثامن والثلاثون صفحة 136 من الجزء الأول.
(10) – الكشاف الجزء الثالث صفحة 354 طبعة القاهرة سنة 1354 هـ.
(11) – غرائب اللغة العربية صفحة 253 بيروت 1959.
(12) – صفحة 525 من الطبعة القاهرية سنة 1376هـ- 1956م.
(13) – صفحة 843 من كتاب الصحاح الطبعة السابقة.
(14) – الكشاف الجزء الثالث صفحة 460.
(15) – الجزء الأول صفحة 135 من الطبعة السابقة الذكر.
(16) – الصحاح- الطبعة السابقة صفحة 241.
(17) – الكشاف صفحة 35 الجزء الرابع
(18) – غرائب اللغة العربية للأب رفائل نخلة اليسوعي صفحة 209.
(19) – الجوهري الصحاح ج 5 صفحة 1840.
(20) – الكشاف الجزء الرابع صفحة 1956 من الطبعة السابقة الذكر.
(21) – ولقد حملتنا كثرة هذه اللغات على اعتقادنا أنها دخيلة على لغة قريش انظر اللفظة 21 من لغة حمير الكشاف الجزء الرابع صفحة 62.
(22) – الكشاف الجزء الرابع صفحة 62.
(23) – الصحاح صفحة 2118.
(24) – jeffery materials for the history of the texte of the quran صفحة 55.
(25) – المصدر السابق صفحة 142.

شاهد أيضاً

لم يكن القرآن بلغة قريش فحسب … قبائل الازد

قبيلة الازد يعرف الناس لهذه القبيلة صيغتين: 1) شنوءة، بنون ممدودة يضم، بعدها همزة مفتوحة، ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *